فصل: السبب في الاختلاف في عدد الآي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المدخل لدراسة القرآن الكريم



.فوائد معرفة الآيات:

ولمعرفة الآيات وعدها وفواصلها فوائد منها:
1- معرفة الوقف، على رءوس الآي سنة كما يدل عليه بعض الأحاديث الواردة.
2- أنه يعين على صحة الصلاة، فإن الإجماع انعقد على أن الصلاة لا تصح بنصف آية، وقال جمع من العلماء تجزي بآية، وآخرون بثلاث آيات وآخرون لابد من سبع، وكذلك اعتبارها فيمن جهل الفاتحة فإنه يجب بدلها سبع آيات. عند من أوجبها، ومنها اعتبارها في الخطبة، فإنه تجب فيها قراءة آية كاملة، ولا يكفي شطرها إن لم تكن طويلة، وكذا الطويلة على ما عليه الجمهور.
3- أن الإعجاز لا يقع بأقل من ثلاث آيات قصار أو آية طويلة تعادلها فما لم تعرف الآية لا يمكننا أن نقف على القدر المعجز من القرآن.
4- ومنها اعتبارها في قراءة قيام الليل، ففي أحاديث: «من قرأ بعشر آيات لم يكتب من الغافلين» و«من قرأ بخمسين آية في ليلة كتب من الحافظين» و«من قرأ بمائة آية كتب من القانتين» و«من قرأ بمائتي آية كتب من الفائزين»، و«من قرأ بثلاثمائة آية كتب له قنطار من الأجر»، و«من قرأ بخمسمائة، وسبعمائة، وآلف آية...» أخرجها الدارمي في مسنده مفرقة.

.عدد آيات القرآن:

وأما عدد آيات القرآن فقد قال فيه الداني: أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف ومائتا آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال: ومائتا آية وأربع آيات وقيل وأربع عشرة آية، وقيل: وخمس وعشرون آية، وقيل: وست وثلاثون آية.
وذلك يرجع إلى اختلاف القراء البصريين والكوفيين والشاميين والمكيين والمدنيين في العدد. قال أبو عبد الله الموصلي في شرح قصيدته ذات الرشد في العدد: اختلف في عدد الآي أهل المدينة ومكة والشام والبصرة والكوفة، ولأهل المدينة عددان: عدد أول، وهو عدد أبي جعفر بن يزيد ابن القعقاع وشيبة بن نصاح، وعدد آخر: هو عدد إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، وأما عدد أهل مكة فهو مروي عن عبد الله بن كثير عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، وأما عدد أهل الشام فرواه هارون بن موسى الأخفش، وغيره عن عبد الله بن ذكوان وأحمد بن يزيد الحلواني وغيره، عن هشام بن عمار، ورواه ابن ذكوان وهشام، عن أيوب بن تميم الذماري، عن يحيى بن الحارث الذماري قال: هذا العدد الذي نعده عدد أهل الشام مما رواه المشيخة لنا عن الصحابة، ورواه عبد الله بن عامر اليحصبي لنا وغيره عن أبي الدرداء، وأما عدد أهل البصرة فمداره على عاصم بن العجاج الجحدري، وأما عدد أهل الكوفة فهو المضاف إلى حمزة بن حبيب الزيات وأبي الحسن الكسائي وخلف بن هشام، قال حمزة أخبرنا بهذا العدد ابن أبي ليلى عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب.

.السبب في الاختلاف في عدد الآي:

والسبب في الاختلاف في عدد الآي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف على رءوس الآي للتوقيف، فإذا علم محلها وصل للتمام فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة، فمن نظر إلى الوقف قال إنها رأس آية، ومن نظر إلى الوصل لم يقل إنها آية، وآخر كلمة في الآية تسمى فاصلة، وتجمع على فواصل، ومعرفة الفواصل هو العمدة فيما نحن فيه، ولمعرفتها طريقان توقيفي وقياسي.
أما التوقيفي: فما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف عليه تحققنا أنه فاصلة، وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة، وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريف الفاصلة، أو لتعريف الوقف التام أو للاستراحة، واحتمل الوصل أن يكون غير فاصلة أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها.
وأما القياسي: فهو ما ألحق من غير المنصوص عليه بالمنصوص عليه لأمر يقتضي ذلك، ولا محذور في ذلك: لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان، وإنما غايته أنه محل فصل أو وصل، والوقف على كل كلمة جائز.

.معرفة الآيات توقيفي:

وآيات القرآن كلها توقيفية لا تعلم إلا من الشارع، قال الزمخشري في تفسيره فإن قلت ما بالهم عدوا بعض الفواتح آية دون بعض؛ قلت: هذا علم توقيفي لا مجال للقياس فيه، كمعرفة السور أما الم فآية حيث وقعت من السور المفتتحة بها، وهي ست، وكذلك المص آية، والمر لم تعد آية، والر ليست بآية في سورها الخمس وطسم آية في سورتيها، وطه ويس آيتان، وطس ليست بآية، وحم آية في سورها كلها، و{حم * عسق} آيتان، كهيعص آية واحدة ص وق ون ثلاثتها لم تعد آية، هذا مذهب الكوفيين ومن عداهم لم يعدوا شيئا منها.
فإن قلت فكيف عد ما هو في حكم كلمة واحدة آية قلت. كما عد {الرَّحْمنُ} وحده و{مُدْهامَّتانِ} وحدها آيتين على طريق التوقيف.
وقال ابن العربي: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الفاتحة سبع آيات. وسورة الملك ثلاثون آية، وقد صح أنه قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه».

.كلمات القرآن وحروفه:

وكما عدوا آيات القرآن عدوا كلماته؛ فقيل سبعة وسبعون ألف كلمة وتسعمائة وأربع وثلاثون كلمة، وقيل: وأربعمائة وسبع وثلاثون وقيل:
ومائتان وسبع وسبعون، وسبب الاختلاف أن الكلمة لها حقيقة ومجاز ولفظ ورسم، واعتبار كل منها جائز، وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز.
وكذلك عنوا بعد حروفه وبيان أنصافه بالكلمات والحروف، وأثلاثه وأرباعه وأخماسه... وكذا عدوا ما في القرآن من ألفات، وباءات إلى آخر حروف الهجاء، وليس من قصدي التعرض لمثل ذلك، فإن الاشتغال به- كما قال السيوطي- مما لا طائل تحته، وقد استوعبه ابن الجوزي في فنون الأفنان، وأوسع القول فيه، فمن أراد استيعابا فليرجع إليه، أو إلى مقدمتان في علوم القرآن فقد فصل القول في ذلك.

.ترتيب الآيات:

ترتيب الآيات في سورها توقيفي، فقد كان جبريل عليه السلام يوقف النبي صلى الله عليه وسلم على مواضع الآيات من سورها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ضعوا آية كذا في سورة كذا...» روى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس، عن عثمان بن عفان، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب فيقول: «ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» الحديث وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف، وقد أجمع العلماء أن ترتيب الآيات توقيفي وتواردت النصوص الصحيحة على ذلك.
أما الإجماع فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته، ونص عبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره بلا خلاف في هذا بين المسلمين.
وقال ابن الحصار: ترتيب السور، ووضع الآيات إنما كان بالوحي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف.
وأما النصوص فكثيرة منها ما أخرجه البخاري، عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ} [البقرة: 240] قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها- أي لم تكتبها وهي منسوخة أو لم تدعها مكتوبة وقد نسخت، فـ أو للشك من الراوي أي اللفظين قال- قال: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه وكأن ابن الزبير فهم أن ما ينسخ حكمه لا يكتب، فأفهمه سيدنا عثمان أن الأمر في إثبات الآيات في مواضعها إنما هو بالتوقيف وليس لأحد أن يغير شيئا من مكانه.
ومنها ما رواه مسلم عن عمر قال: ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: «أما تكفيك آية الصيف التي في آخر النساء» ومنها الأحاديث الصحيحة في خواتيم سورة البقرة: «من قرأ الآيتين من خواتيم سورة البقرة في ليلة كفتاه». رواه البخاري وغيره.
ومنها ما أخرجه أحمد بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع من هذه السورة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ»} [النحل: 90] ومنها ما روى أبو يعلى في مسنده عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف يا خال، أخبرني عن قصتكم يوم أحد قال: اقرأ بعد العشرين ومائة من ال عمران تجد قصتنا: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ...} الآية وهو من أقوى الأدلة على أن الترتيب اليوم هو الذي كان في عهدي النبي والصحابة، فإن هذه الآية رقمها المائة وواحد وعشرون من المصحف.
ومن النصوص الإجمالية الدالة على ذلك ما ثبت من قراءته صلى الله عليه وسلم لسور عديدة كسورة البقرة، وآل عمران، والنساء، و{الم * تَنْزِيلُ} و{هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ} في صبح الجمعة و{ق} و{اقْتَرَبَتِ} في العيد وغير ذلك من السور، وكان يقرؤها على ترتيبها المعروف وبمشهد من الصحابة الذين أخذوا عنه ونقل ذلك عنهم نقلا متواترا فدل ذلك على أن الترتيب توقيفي.
وإليك بعض ما قاله العلماء في هذا. أخرج ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مكي بن أبي طالب القيسي وغيره: ترتيب الآيات في السور بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، ولما لم يأمر بذلك في أول {بَراءَةٌ} تركت بلا بسملة. وقال القاضي أبو بكر: ترتيب الآيات أمر بذلك واجب، وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: «ضعوا آية كذا في موضع كذا»، وقال أيضا: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين، والذي حواه مصحف عثمان، وإنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه، وإن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله، ورتبه عليه رسوله من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخر ولا أخر منه مقدم، وإن الأمة ضبطت عن النبي صلى الله عليه وسلم ترتيب آي كل سورة ومواضعها، وعرفت مواقعها، كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة، وأنه يمكن أن يكون الرسول قد رتب سوره وأن يكون وكل كل ذلك إلى الأمة بعده، ولم يتولى ذلك بنفسه، قال: وهذا الثاني أقرب.